الخميس، 8 أبريل 2021

بعد تعثر المبادرة السعودية.. الحل السلمي في اليمن إلى أين؟

بعد تعثر المبادرة السعودية.. الحل السلمي في اليمن إلى أين؟



منذ إعلان المملكة العربية السعودية مبادرتها لوقف إطلاق النار في الـ22 من شهر آذار/مارس، بدا الأمرُ كما لو أنها تحررت من الضغوط الدولية التي لطالما نظرت إلى ما يجري في اليمن على أنه حرب الأغنياء على الفقراء
.........،
ياسين التميمي ياسين التميمي
ذكر شهود عيان أن "محتجين غاضبين أقدموا على قطع الشوارع الرئيسية بمدينة المكلا، احتجاجا على تردي الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء". (AA)
حيث يبدو القاتل المحليّ الخطير ممثلاً بالحوثيين بعيداً عن الأضواء رغم حجم الأذى الذي يُلحقه باليمنيين، بل ثمّة من يدعم فكرة تمكين هذه الجماعة المتعصبة طائفياً، كمتحكّم رئيس في الساحة اليمنية.

في الحقيقة لا شيء يمكن أن يبدد هذا التصوّر بشأن الحرب، فالسعودية بأسلوبها في إدارة الحرب، يبدو أنها تستخدم فائض القوة لإلحاق الأذى باليمنيين جميعاً رغم التّظاهر بأنها تخوض حرباً مع المشروع الإيراني في اليمن، وأنّ الحوثيين يمثلون مصدر تهديد وجودي لها في الجزء الجنوبي من المملكة.

والمشكلة أنّ فائض القوة يتناقص وتتضاءلُ مكاسبه على الأرض، ويزداد حجم التحديات الآتية من تنامي قوة الحوثيين، وهي قوة لا تعني على الفور أنّ الحوثيين يمتلكون كامل السّلاح الذي يُلحقون به الأذى العسكري والإستراتيجي بالسعودية وبعمقها ومنشآتها الحيوية، ولكنه أيضاً يأتي من التخادم المكشوف والمستفز من جانب إيران مع الحوثيين استغلالاً للحرب في اليمن.

فطهران هي من تتولى في أحيان عديدة تأمين الأسلحة وتوجيهها على المنشآت الحيوية السعودية، ليتلقّف الحوثيون المسؤولية عنها، ولتبدو الحرب في اليمن غطاء مثالياً للاختراقات الخطيرة التي تقوم بها إيران للمكانة العسكرية الإقليمية للمملكة التي تمتلك ثالث أكبر أسطول من طائرات F-15 الحديثة وترسانة كبيرة من أحدث الأسلحة.

تكمن مشكلة السعودية في أنها تحارب في اليمن، وهي ترقب ارتدادات معركتها على مزاج صُنّاع القرار في واشنطن والغرب، وهذا يضعها أقرب إلى إنجاز صفقة لا تتناسب ربما مع مصالحها في اليمن قد يكون الحوثيون أحد أبطالها، الذين ترى فيهم أحياناً بديلاً مناسباً عوضاً عن النهاية المثالية المفترضة للحرب إذا ما هُزم الحوثيون وانتصر خصومهم الذين يسعون أصلاً لاستعادة الدولة بمشروعها السياسي الجمهوري الديمقراطي.

لطالما مارست السعودية حرباً موازية على حلفائها في الساحة اليمنية، لكنها لا تستطيع الاستغناء عنهم، وربما نراها تتراجع إزاء تشدد لطالما أبدته إزاء هؤلاء الشركاء الذين تصفهم بـ"الإخوان الإرهابيين"، خصوصاً أنّ مؤشرات عديدة تؤكد أنّ السعودية على وشك خسارة الحرب في اليمن لصالح إيران، وهذا إن تحقق فستكون السعودية هي من هزمت نفسها وليس إيران.

وعلى الرغم مِن أنّ مبادرة وقف إطلاق النّار التي أعلنتها السعودية تمثل تجاوزاً غير مقبول للصلاحيات الدستورية للرئيس المقيم في السعودية، إلا أنّ الرياض لا يبدو أنها أغلقت النافذة التي تأتي منها الضغوطات الشديدة.

فالحوثيون سارعوا إلى رفض المبادرة التي اعتبروا أنها لم تأت بجديد، ثم انطلقوا بحثاً عن مكاسب إضافية يمكن أن ينجح المبعوث الأمريكي إلى اليمن تيموثي ليندر كينغ في انتزاعها من الرياض والسلطة الشرعية، خصوصاً أن لدى المبعوث ثقة متزايدة بأن ما يريده من جانب السعودية والشرعية سيُوافق عليه وفقاً لمسؤول يمني مطلع على تحركات المبعوث الأمريكي وأحاديثه في الغرف المغلقة مع الشرعية.

تتصرف الولايات المتحدة الأمريكية في اليمن كما لو أنّ نهاية الحرب استحقاقٌ أمريكي أكثر من أي شيء آخر، حيث تؤشر مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة دائماً إلى اختراقٍ يفترض أن يتحقق على الساحة اليمنية، لإثبات أن بايدن يعني ما يقوله، حينما يؤكد أنّ الولايات المتحدة تضع الجهد الدبلوماسي في مقدمة الخيارات لمواجهة الأزمات الدولية وفي مقدمتها الأزمة في اليمن.

من الواضح أنّ واشنطن تتكئ على إخفاقات السعودية لهذا تبدو واثقة من أن مقاربتها للأزمة اليمنية، بغضّ النظر عن كونها تُبقي الحوثيين وتكافئهم، سوف تصل إلى النهايات التي تتطلع إليها واشنطن وليس الرياض والسلطة الشرعية التابعة لها.

لا تزال الطائرات السعودية تكافح لمنع الحوثيين من التّقدم باتجاه مدينة مأرب المكتظة بملايين السكان فيها، في ظروف عيش اضطرارية، لذلك يقاتلون بشراسة حتى لا تخرج المدينة من تحت سيطرة الحكومة الشرعية، على الرغم مِن الظّل الباهت لهذه الشرعية في معركة مصيرية كهذه.

لا أعتقد أن السعودية سوف تجازف بمنح الحوثيين فرصة لدخول مأرب رغم أنها لم تتقدم خطوة واحدة فيما يتعلق بدعم الجيش وتسليحه وتمكينه من تقليص فارق القوة النارية مع الحوثيين، مما يجعل المعركة مزيجاً من استبسال المدافعين عن المدينة وجنون مهاجميها الذين يعتمدون على إستراتيجية الموت دون توقف.

وحينما يتعلق الأمر بآفاق الحل المتصلة بالأزمة والحرب في اليمن، فإن الخطورة تكمن في مدى قابلية الرياض على عقد صفقة مع واشنطن تقوم على مبدأ المساومة بنهاية الحرب مقابل انفتاح أمريكي غير ضاغط على الرياض فيما تبقّى من العهدة الرئاسية لبايدن.

وهذا يمكن أن يتحقق إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن السلطة الشرعية تفتقد القدرة على قلب الطاولة، وإعادة توجيه مسار الأزمة نحو نتائج مغايرة لتلك التي تخطط لها واشنطن أو قد تنزلق إليها الرياض دعماً لولي عهدها.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي
بعد تعثر المبادرة السعودية.. الحل السلمي في اليمن إلى أين؟ (trtarabi.com)
Like
Comment
Share

مخاطر الاغراق السياسي




 

ياسين التميمي

الأحد، 04 أبريل 2021 02:59 م بتوقيت غرينتش

على وقع التحرك المثابر للمبعوث الأمريكي إلى اليمن عبر مسار يبدأ من واشنطن وينتهي بمسقط ويمر عبر الرياض، تجلت بعض من أخطر ملامح هذا التحرك الذي يهدف إلى تكييف الوضع السياسي في اليمن وفق شروط اللاعبين السيئين الإقليميين والمحليين، فيما ينحسر دور الشرعية على نحو تدريجي ومقصود.


فالمبعوث الأمريكي، ووفقاً لإفادة بعض السياسيين المتصلين بتحركاته، بدا مطمئنا من جانب السلطة الشرعية ومن إمكانية الحصول على مواقفتها على أية صيغة للحل، فيما يكرس معظم جهده في محاولة جلب الحوثيين إلى مربع الموافقة على المبادرة السعودية مقابل بعض التنازلات التي يبحثون عنها.


مؤشر يدعو إلى القلق، ويضعنا أمام حقيقة مرة، فبين سلطة شرعية ضعيفة ولاعبين سيئين يكاد المشروع الوطني أن يضيع، في ظل غياب الفاعلين الوطنيين الحقيقيين عن القيام بدورهم الذي نحتاجه أكثر من أي وقت مضى ليعزز ثقة الشعب اليمني بالمستقبل ودفعه إلى تحمل تبعات المواجهة الطويلة الأمد مع أعداء الداخل والخارج.


على مدى العقد الماضي من زمن الأزمة والحرب في اليمن، جرى التركيز من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين على مسألة تجفيف الساحة اليمنية من الأحزاب، عبر تجريف نفوذ الأحزاب وتأثيرها، وإبقائها مجرد هياكل بروتوكولية لتمرير المخططات المعدة سلفاً لحسم الأزمة والصراع ومصادرة النتائج السياسية والاستراتيجية لصالح هؤلاء الفاعلين.


 


وللأسف اضطرت كبريات الأحزاب أن تسلم قيادها لإرادة التحالف تفادياً للاستهداف، والنتيجة أن هذه الأحزاب تحولت إلى شاهد فاقد للحيلة على مخطط تفتيت اليمن، دون أن تسلم من الاستهداف الذي يطال جسدها التنظيمي ومراكز قوتها الميدانية التي تأتي عليها معركة الاستنزاف المتقنة؛ في جبهات وضعت جميع المتصارعين أمام اختبار وجودي صعب، ووضعت القوى الوطنية على حافة الهاوية.


لكن الأخطر من التجريف هو الإغراق السياسي الذي نراه في التوالد المتسارع للتيارات السياسية التي ترمي في معظمها إلى إعادة ترتيب الأدوار وتأطير المواقف السياسية المتناثرة، وهدفها ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفاضح للسلطة الشرعية من ميدان المواجهة مع أعداء الوطن والجمهورية، والمتآمرين على وحدة اليمن ودولته وكيانه القانوني.


يتكئ البعض من الساعين نحو تخليق تيارات سياسية على إرث من النفوذ المختلف عليه وعلى إمكانية إعادة توليد القوة عبر اصطفافات هشة ومنابر تعمل عن بعد، وفق منطق المواجهة السياسية مع الانقلابيين. وهذا وحده لا يكفي إن لم تتوفر عوامل أخرى لتماسك القوة السياسية التي يمكن لليمنيين أن يراهنوا عليها، وأهمها وفي مقدمتها الالتحام الحقيقي في الميدان وفي المعركة الدائرة مع العدو، والتضحية التي ليس لها حدود.


ومثلما فعلت الإمارات في عدن عندما دفعت بالمجلس الانتقالي ليلعب دور السلطة الموازية للشرعية في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، عملت الرياض مع قوات الساحل الغربي، من خلال الإيعاز للعميد طارق بتأسيس مكتب سياسي لقواته؛ يكون مجال نفوذه تهامة والساحل الغربي، والتصرف كقوة أمر واقع في هذا النطاق الجغرافي تضرب الوحدة الجغرافية لمحافظات وازنة مثل تعز والحديدة.


وهذا يفسر كيف جاءت ولادة المكتب السياسي في مدينة المخا على عجل، كردة فعل على محاولات تجري في المهجر لإطلاق تيارات سياسية، علماً بأن بعض التيارات التي جرى الإعلان عنها من أوروبا، ربما تأتي في سياق الإغراق السياسي الذي يقلل من أهمية أي فعل حقيقي يفترض أن يملأ الفراغ، وأن يحدث فارقاً حقيقياً في الساحة الوطنية.


إن أهم ما يحتاجه اليمن في هذه المرحلة هو الاصطفاف السياسي ضمن بنية سياسية حركية مرحلية تتأسس على الفعل المقاوم لمشاريع هدم الدولة اليمنية، تتجاوز التعقيدات الهيكلية والتنظيمية للأحزاب وحمولتها السياسية الثقيلة. 


وتحرك في هذا الاتجاه لا ينبغي أن يتصادم، وليست هناك ضرورة للتصادم مع تلك الأحزاب والتنظيمات، بل التكامل المبني على وحدة الهدف معها، بناء على تقدير خطورة المرحلة التي تزداد مع نفوذ وتأثير قوى الأمر الواقع ذات الأجندات السياسية الطائفية والانفصالية، والشمولية، التي بُنيت في خضم احتدام الفعل العسكري على الساحة اليمنية بشروط وأولويات قطبي التحالف: السعودية والإمارات للأسف الشديد.

https://m.arabi21.com/Story/1349127