ياسين التميمي:
في البدء كان الوادي، جزءاً من المكون الطبيعي الذي
يمكن أن نسميه بقاع صنعاء، ثم جاء الإنسان واستوطن عند سفح جبل نقم في هذا
المكان الطبيعي الذي كانت تحفه الخضرة، الآتية من تربة طينية خصبة وأنهرٌ
تجري على مدار العام مغذيةً هذا القاع الخصب، مجددةً فيه الحياة.
اختار
الإنسان أن يكون مقامه في هذه المدينة أبدياً، فاختار نمطاً معمارياً يجمع
بين الجمال والفخامة والمنعة، فجاءت منازل هذه المدينة الناشئة بمثابة
حصنٍ كبيرٍ .. أطلق الإنسان في هذه المدينة العنان لمخيلته فأبدع وابتكر
وصنع العديد من المستلزمات التي كان يحتاجها إنسان ذلك العصر، فاستحقت هذه
المدينة اسم مدينة صنعاء، لكثرة ما عرف عن أهلها من اشتغال في الصناعة
والإبداع فيها.
حملت صنعاء اسم آزال وسام، ويقال أن سام هذا هو أحد
أبناء النبي نوح عليه السلام في مرحلة ما بعد الطوفان، وهذا يحمل مغزى
مهماً، لأنه يكرس وضع صنعاء كأقدم مدينة في العالم.
وأي كانت نسبة الحقيقة في هذا القول فإنه يضع صنعاء بين مدن عديدة تتنافس على لقب أقدم مدينة في العالم، وهذا يكفي.
أقيمت
المدينة على الضفة الشرقية من الوادي، أو السائلة، فكانت السائلة حداً
طبيعياً للمدينة من الناحية الغربية، غير أن توافر فرص العيش وازدهار
الحياة في هذه المدينة أدى بها إلى أن تَتَمدَّد وتتجاوز السائلة إلى الضفة
الغربية منها، فنشأ حيَّان حديثان هما: بير الشائف والقاع.
وتستمر
الحياة وتظل مياه الأمطار تتدفق عبر السائلة في مسار يبدأ من سفوح جبال
خولان وبلاد الروس من الناحية الجنوبية، وينتهي عند فرضة نهم من الناحية
الشمالية الشرقية، وهنا أصبحت حدود الخطر واضحة، وتكيف الإنسان على التعامل
مع هذا العامل الطبيعي المحفوف بالخطر.
لكن تدفق الماء على صنعاء،
كان خيراً عظيماً على المدينة، أكثر من كونه عطاءً محفوفاً بالخطر، حتى أن
وفرة المياه في قاع صنعاء أتاح لكل صاحب منزل فيها أن يمتلك بئراً خاصاً
به.
وظلت العلاقة بين صنعاء القديمة والسائلة، علاقة محكومة بمنطق
الوظيفة الطبيعية للسائلة، من حيث كونها الممر الحصري لسيول الأمطار التي
إن تمددت لأثرت على بيوت صنعاء الطينية وقوضت إمكانية بقاءها على وجه
الأرض.
وفي نهاية القرن العشرين من تاريخ اليمن المعاصر، حدث تحول
هام في بنية، ووظيفة السائلة، لكنها لم تكن على حساب الوظيفة الطبيعية، بل
تكاملت معها.
فقد تم رصف أرضية السائلة بالأحجار وأقيم على جانبيها
جداران مبنيان بالأحجار السوداء والبيضاء المهذبة، وأصبحت السائلة منشأة
معمارية من نوع خاص، تلبَّسَ هذا المكون الطبيعي ثوباً قشيباً، فجاءت هذه
الأعمال الإنشائية بمثابة قيمة مضافة على منتج طبيعي.
وتوافرت بهذه القيمة الإنشائية المضافة، والوظيفة الطبيعية لسائلة صنعاء القديمة، شروط المقصد السياحي المتميز.
تبدو
السائلة اليوم المكون الأكثر جمالاً في الفراغ الطبيعي الذي يشق مدينة
صنعاء القديمة، وتشكل بصورتها الحالية تكاملاً بديعاً مع الخصائص الجمالية
لصنعاء القديمة ببيوتها وأسواقها وأحواشها المزروعة(المقاشم).
العمليات
الإنشائية طالت السائلة من أول امتداد لها من الناحية الجنوبية وانتهاء
بمنطقة الجراف، ومن المتوقع أن تستمر الأعمال الإنشائية في السائلة لتصبح
الخط السريع الأهم الذي يشق وسط صنعاء القديمة والحديثة.
وتشكل بهذه
المزايا مقصداً سياحياً بامتياز، ولا ريب أن يشكل مسرح الهواء الطلق ألذي
أقيم قبالة حي القاسمي عند نهاية السور الجنوبي للمدينة شمال الجسر الحديث
لشارع الزبيري، نقطة اهتمام السياح.
في هذا المسرح أقامت أوركسترا
برلين الشهيرة حفلها الافتتاحي التاريخي لفعاليات صنعاء عاصمة للثقافة
العربية العام 2004م، وفي محيط المسرح، وفَّرت التحسينات الإنشائية للسائلة
ولِضفَّتيها الشرقية والغربية فسحة رائعة، ومكاناً لا نظير له لإقامة
المقاهي ذات التصنيف السياحي ليس للسياح فقط وإنما لسكان المدينة وزائريها
من اليمنيين.
وعندما يعاود موسم الأمطار صيف كل عام، يتاح لزائر
السائلة منظرٌ بديع حيث تتدفق السيول على مستويات فتسمح بمرور بعض
المركبات، ويزداد عنفوانها لتحول دون مرور العربات نهائياً وتهدد الموجود
منها بالانجراف.
يستمر هذا المشهد لساعات، ثم تختفي السيول، فتعود
حركة السيارات من جديد، وهكذا تتبدل وتتغير وظائف السائلة الطبيعية
والبشرية في ساعات محدودة، في مشاهد بديعة ومثيرة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق