الثلاثاء، 3 يونيو 2014

آراء في مسيرة الوحدة اليمنية والحوار والنظام الاتحادي


ياسين التميمي:
مرت الوحدة اليمنية عبر 24 عاماً من عمرها المجيد، بثلاث مراحل أساسية، لكن الظروف التي أحاطت بها طيلة هذه 
الفترة وفي
الرئيس عبد ربه منصور هادي في افتتاح إحدى جلسات الحوار
 كل المراحل كانت سيئة وبالغة السوء وخطيرة للغاية..

خارطة للأقاليم اليمنية الستة التي أقرها مؤتمر الحوار
المرحلة الأولى الممتدة من 22 مايو 1990 وحتى 27 أبريل 1993، وهي السنة التي شهدت الانتخابات البرلمانية، هي الانتخابات التي أنهت عهداً من الشراكة الهشة بين الحزبين اللذين وقعا على اتفاقية الوحدة اليمنية، وكرست حالة الفرز الجهوي والحزبي، وأسست لأزمة عميقة استمرت منذ عام 1993 وحتى عام 1997، وهو التاريخ الذي سجل عودة الحزب الاشتراكي اليمني إلى الحياة السياسية، وقيامه بتأسيس تكتل اللقاء المشترك المعارض.
الوحدة اليمنية، على الرغم من الآمال والتطلعات التي حملتها إلى الشعب اليمني، فإنها قُوبلت بنوايا سيئة من قبل النخب السياسية الحاكمة، وأظهرت نزعة لديها للتفرد بالسلطة وتصفية حسابات وتركة الماضي من الصراع السياسي والعقائدي، مما أبقى الأجواء مكفهرة ومفتوحة على احتمالات سيئة بلغت ذروتها باندلاع حرب صيف 1994، وهي الحرب التي لم تخرج الحزب الاشتراكي اليمني من المعادلة السياسية فحسب، ولكنها أفرغت الوحدة اليمنية من مضامينها الوطنية والاجتماعية والإنسانية، وأقامت حدوداً نفسياً بين مكونات الشعب اليمني، وحولته من شعب تتقاسمه دولتان إلى شعبين محشورين قسراً في دولة واحدة.
لقطة جماعية للشخصيات اليمنية التي شهدت إعلان الوحدة
 لقد كانت مشكلة حرب 94 الظالمة في  أنها أجهزت أيضاً على فكرة الوحدة بما هي تعبير عن إرادتين حرتين، وأدخلت البلاد في مأزق الضم والإلحاق الذي ولّد شعوراً حاداً بالإحباط لدى قسم كبير من أبناء المحافظات الجنوبية، ونُخبها السياسية، وأسست نتائج هذه الحرب لصراع سياسي انبنى على خيارات الجهورية ونزعة فك الارتباط، وقام على فكرة إحياء الدولة الجنوبية، وهي العوامل التي أدخلت البلاد في أزمة سياسية واقتصادية وأزمة هوية سياسية، يدفع اليمنيون ثمنها حتى اليوم.
وهذا يعني أن الأخطاء ليست وليدة حرب صيف 94 وإنما الحرب هي التي تولدت من رحم أخطاء ممنهجة ارتكبت من قبل الأطراف السياسية، على قاعدة الإقصاء والتهميش والتخلص من الشراكة السياسية التي كانت اليمن والوحدة في أمس الحاجة إلى بقائها حتى تترسخ دعائم الوحدة. تماماً قدر حاجتها إلى مبادرة تاريخية كان يفترض أن يتقدم بها القادة السياسيون من أجل نقل السلطة لجيل جديد يمكن أن يكون أقدر على مواصلة المشوار بأقل ما يمكن من تبعات وتركة صراع النخب القديمة.
لكن أبرز الأخطاء لم تكن لتقتصر على احتكار السلطة ومصادرتها، ولكنها شملت أيضاً التصرفات غير المقبولة التي تمت في المحافظات الجنوبية سواء فيما يتعلق بمصادرة الأراضي والممتلكات أو بالتهميش الممنهج لكوادر تلك المحافظات وإقصائها من المؤسستين العسكرية والأمنية ومن الكادر المدني للدولة.

الحزب الاشتراكي.. دور وحدوي جديد :
لقد جسدت عودة الحزب الاشتراكي اليمني إلى الحياة السياسية في أواخر التسعينيات من القرن المنصرم، عمق التزام هذا الحزب الوطني الكبير، ومسئوليته السياسية تجاه شعبه.. في تقديري أن الحزب الاشتراكي اليمني، هو الحزب الذي أبقى فكرة الوحدة اليمنية حية في نفوس الناس، ليس فقط في منطقة نفوذه بالمحافظات الجنوبية ولكن أيضاً في المحافظات الشمالية التي كان يحتفظ فيها بعدد كبير من الأعضاء المخلصين.
لقد عبّر الحزب الاشتراكي اليمني عن إخلاص لا حدود له من أجل إنجاز هذا الفعل التاريخي العظيم، وما كان يجب أن يكون هذا الحزب الضحية الأولى، لهذا الإنجاز، كان ذلك خطأ تاريخياً كبيراً.
على أن عودة الحزب الاشتراكي اليمني  للحياة السياسية، كان لها تأثير عميق تجلى في استعادة البيئة السياسية لعافيتها وتوازنها بعد أن تعرضت لضربة قوية على يد السلطة وهي تمضي قدماً نحو التفرد بالقرار السياسي، وتعطيل الحياة الديمقراطية. وهنا يجدر التنويه بالدور الاستثنائي الذي أداه أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني وأحد آبائه التاريخيين المناضل اليمني الجسور الدكتور ياسين سعيد نعمان.
لقد كان الحزب في ظل أمينه العام الدكتور ياسين سعيد نعمان، ومن قبله المناضل علي صالح عباد مقبل، قوة محركة لتكتل اللقاء المشترك الذي أدى دوراً تاريخياً في مواجة سلطة أظهرت نزعة لا سابق لها لتعطيل الحياة السياسية وإفراغ النظام الديمقراطي من مضامينه.

ثورة 11 فبراير2011 .. رد الاعتبار للوحدة.
  مثّلت الثورة الشبابية الشعبية السلمية، لحظة انعتاق واستعادة تاريخية للوعي الوطني لدى اليمنيين، لقد نجحت الثورة في إحداث قطع عميق مع الماضي الشمولي، ماضي التفرد بالسلطة واحتكارها وتأبيدها وتوريثها.
وعلى الرغم من أن الثورة لم تأخذ مسارها حتى النهاية، إذ تلقفتها المبادر الخليجية بحل محبط لكنه جلب معه التأييد والدعم والرعاية الإقليمية والدولية، فإن هذه الثورة يعود إليها الفضل في التأسيس لعهد جديد من تاريخ اليمن، والتأسيس لمرحلة من العمل السياسي الجاد على قاعدة الوفاق الوطني متمثلاً في مؤتمر الحوار الوطني الذي تبنى أكثر من 9 قضايا رئسية تشكل جوهر الأزمة اليمنية، وكان في مقدمة هذه القضايا القضية الجنوبية.
إن مؤتمر الحوار الوطني الذي أفرزته الثورة الشبابية، قد وضع القضية الجنوبية على رأس أولوياته، وكانت الوحدة اليمنية بما هي جوهر الانشغال بالقضية الجنوبية، هدفاً رئيسياً لمجمل الحلول التي تم اجتراحها على قاعدة التوافق من أجل حل عادل للقضية الجنوبية.. لقد تم إنجاز ثورة إصلاح سياسي شاملة من خلال مؤتمر الحوار الوطني طالت شكل الدولة التي أصبحت دولة اتحادية متعددة الأقاليم(6 أقاليم) وطالت شكل النظام السياسي..
وتم اعتماد حزمة من الإجراءات والإصلاحات التي توجهت مباشرة نحو حل القضية الجنوبية حلاً عادلاً، وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس عبد ربه منصور هادي يؤكد بأن مخرجات الحوار الوطني هي: "صياغة معاصرة لمشروع الوحدة اليمنية على أساس اتحادي ديمقراطي يضمن العدالة والمساواة والإنصاف لكل أبناء اليمن في دولة جديدة على مبادئ الحكم الرشيد بعد أن تعالج السلبيات وترد المظالم ويجبر الضرر كشروط ضرورية لبدء شراكة وطنية حقيقية بالثروة والسلطة".
وتأسيساً على التعاطي الناجح من قبل مؤتمر الحوار الوطني لقضية وطنية كبيرة ومؤثرة كالقضية الجنوبية، يمكن القول إن الخروج بصيغة حل عادل للقضية الجنوبية، قد مثل أحد أهم النتائج الإيجابية للحوار، لأنه نجح في حماية الوحدة اليمنية من المؤامرة الخطيرة التي كانت تستهدفها، وأعاد الثقة والطمأنينة لأبناء المحافظات الجنوبية، ودشن عهداً جديداً من العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد على أسس المواطنة وسيادة القانون، والتقاسم العادل للثروة والسلطة.
 وبإزاء كل ما يقل عن الفيدارلية والصيغة الاتحادية وتقسم اليمن إلى (6) أقاليم، فإن ما يحسن تأكيده هنا هو أن خيار  النظام الاتحادي جاء بمثابة بديل مناسب لخيارين متطرفين أحدهما الانفصال.. يمكن لليمن أن تنجح كدولة سواء بالصيغة البسيطة أو بالصيغة المركبة(الفيدرالية)، والأهم في تقديري هو الإصلاح السياسي وإيمان الناس بالوحدة والعيش المشترك، والامتثال لدولة النظام والقانون.
ولكن علينا الجميع أن يعي جيداً أن خيار النظام الاتحادي ليس خياراً ترفياً، بل جاء استجابة لأزمة حقيقية ارتبطت أساساً بممارسات القائمين على الدولة البسيطة أي الدولة المركزية، وبالأخطاء التي ارتكبتها السلطة الحاكمة لهذه الدولة، لذلك أعتقد أن الفيدرالية يمكن أن تكون ثمناً سياسياً مقبولاً لبقاء اليمن موحداً.
وقد جاء النظام الاتحادي بصيغة مناسبة أيضاً وذلك باعتماد(6) أقاليم، هذه الصيغة أوجدت حماية مستقبلية للوحدة وعطلت مشاريع الانفصال التي كانت تنضوي تحت رغبة بعض الجهات في اعتماد إقليمين فقط.
ومع ذلك لا يمكن القول إن تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم قد لبى كل تطلعات اليمنيين، فهناك مشاكل مرتبطة بإلحاق بعض المناطق قسراً إلى أقاليم لا تنسجم معها، وبما لا يتفق والمعايير المتبعة في إنشاء الأقاليم، ولكن نتطلع إلى أن يجري تدارك هذا الأمر بما يسهل على الناس ويجعل من الأقاليم إطار جديدة لتحفيز الطاقات المجتمعية وليس إلى تعطيلها وبث اليأس فيها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق