ياسين
التميمي:
في البدء
كان النضالُ في منطقتنا العربية، من أجل الاستقلال من الاستعمار وحكم الطغاة
والأنظمة المتخلفة، كان ذلك شعارَ جيلٍ من المناضلين الذين تأثروا بالإرث الفكري
لآباء النهضة الفكرية العربية والإسلامية، وعلى رأسهم الكواكبي، وجمال الدين
الأفغاني، ومحمد عبده والثعالبي، وغيرهم.

لكن الدول
الاستعمارية، قبل أن تتخلى عن سيطرتها الجغرافية المباشرة على المنطقة، كانت قد استطاعت أن تحُدث صدوعاً خطيرةً في
الجسد الجغرافي والسياسي للأمة، عبر ما سميت بـ:اتفاقية (سايكس بيكو) المشئومة.
خطورة هذه
الصدوع أن تمر في نفس خطوط الانقسامات الأثنية و الدينية والمذهبية والعشائرية،
لسكان منطقتنا، وها نحن اليوم نعيش الأثر السيئ لهذه الصدوع في الانقسامات التي
ستبقي المنطقة رهن الصراع المستدام إلى وقت لا يعلم مداه إلا الله.
القوى الاستعمارية،
لم تترك سيطرتها السياسية المباشرة على منطقتنا إلا بعد أحكمت سيطرتها- وهذا هو
الأهم- على ذهنية النخبة السياسية العسكرية، وأعدتها لتولي زمام الحكم بعد رحيل
الاستعمار. والحال نفسه ينطبق حتى على النخب التي أطاحت بالأنظمة المتخلفة، وأسست
أنظمة جمهورية جديدة، حرصت القوى الغربية على إعادة تشكيل النخب السياسية المدنية
والعسكرية وتوجيهها وربط مصالحها بالمصالح الغربية.
هذه النخب
ما لبثت أن دخلت في صراع مرير على السلطة، إذ أنه لا مكان للحكم الجماعي
الديمقراطي التشاركي في منطقتنا، هذا بدوره أفسح المجال لظهور عائلات رئاسية
جمهورية مستبدة، تفوق الملكيات نزعةً في الاستئثار بالسلطة والثروة، وتفتقد إلى
أخلاقيات الملوك.. حكمت هذه العائلات بقبضة حديدية، وأفرزت نمطاً جديداً من
السيطرة السياسية على دولنا العربية، عبر أنظمة أقلية يقوم نفوذها على عصبية
العشيرة أو المذهب أو المنطقة أو النخبة العسكرية.
![]() |
| إحدى مظاهر قمع ثورات الربيع العربي |
ولأن
الأيام دول، والتدافع سنةٌ كونية أصيلةٌ، فقد تضخَّمَ حكم العائلات الرئاسية،
وأقلياتها العصبوية، ونافست الناس على أرزاقهم، واستأثرت بكل شيئ، حتى أن بعض
الدول بدأت تشهد هجرةً جماعيةً إلى أصقاع الأرض وجزء كبير منها اتجه-للأسف- صوب
واحة المستعمر الغربي القديم. ضاقت الشعوب بفساد حكامها وأنانيتهم وجبروتهم، حتى
كُتب لمنطقنتا أن تجترح معجزة الربيع العربي. هذه المعجزة التي لم تكن تدبيراً غربياً أبداً، بل كانت صيحة
مظلومٍ مدويةً، سرعان ما تحولت إلى موجةٍ عارمةٍ، مؤيدةٍ من الله، لأن الله عدلٌ،
ولأن الله يمهل ولا يهمل..
اليوم
تتجمع بقايا الأنظمة التي كنستها موجةُ الربيع العربي، وتتآمر بكل ما أوتيت من
إمكانيات لاستعادة السلطة، وإفساد حال الدول التي تحررت من الطغيان، ومنعها من
إنجاز عملية الانتقال الديمقراطي.
![]() |
| اللواء حفتر تآمر على ربيع بلاده ليبيا |
هذه
المؤامرة اليوم تلقى مساندة حقيقة من الغرب، هذه المرة لا نبالغ، بل نقول
الحقيقة.. لقد نجح النظام القديم في مصر على استعادة السيطرة على البلد، وإجهاض
الثورة، بدعم غربي واضح، تجلى في الصمت والممالأة والإسناد الخفي، بل والمعلن.
وتحاول فلول الردة والنكوص في بلدان الربيع
العربي الأخرى، وعلى رأسها ليبيا اليوم،
مدعومة من أنظمة عربية، تخشى الربيع العربي وتفر منه فرار السقيم من الكي،
تحاول إيقاف عجلة التغيير والانتقال الديمقراطي في هذه الدول بكل الوسائل الممكنة
وبعضها غير أخلاقي.
بلداننا
اليوم تتعرض لمؤامرة خطيرة للغاية، مؤامرة خسيسة ودنيئة لا سقف أخلاقي لها، يمكن
أن تستخدم أية وسيلة لكي تنجح في إجهاض أنظمة الربيع العربي، بما في ذلك إفشال
الدولة تماماً وإذكاء حروب أهلية طويلة الأمد، والتقسيم الجغرافي.
![]() |
| الناعقون باسم الطغاة.. سورية نموذجاً |
هذه
المؤامرة تُنفذ بعقلية جيل انتهازي تربَّى على مائدة اللئام من الطغاة، وأجهزة
استخبارات الغرب، جيلٌ، كما ذهب أحد الكتاب، لا يشبه الحكام السابقين، لكنه أسوأ
منهم.
الجيل الجديد
من حكام الدول العربية يقوم ربما بالدور الذي استبقاه الغرب عندما استعمر بلداننا
خلال النصف الأول من القرن العشرين، لقد أورثنا كيانات سياسية متصارعة لكنها كبيرة ومتماسكة.
جيل الثورة المرتدة يُكمل المهمة، يريد أن يُفتت
دولنا إلى أجزاء متناثرة، كما هي المحاولة التي تجري اليوم في ليبيا وفي سورية
ربما، وحينها لا أعتقد أن الشعوب سوف تسكت، سترتد بغضبها الجبار ولن تُبقي حتى على
الدول التي لا تزال تشعر بنوع ما من العافية السياسية والاقتصادية.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق