الأربعاء، 7 مايو 2014

الحديدة.. ثغر يتنكر له ميناؤه





ياسين التميمي:
في كل مرة تزور فيها مدينة الحديدة، يغمرك شعور بالألفة تجاه هذه المدينة، التي انضمت إلى قائمة مدن الموانئ اليمنية على ساحل البحر الأحمر في فترة ما من التاريخ الحديث، تقدر زمنياً بما بين 4-6 قرون.
في تلك الفترة كان تدفق الأساطيل التجارية الغربية قد بلغ أوجه على بحار الشرق وبينها البحر الأحمر، خصوصاً مع تزايد أهمية البن اليمني الشهير، الذي أصبح السلعة الرائجة والأكثر أهمية في تاريخ التجارة الدولية حتى أوائل القرن العشرين تقريباً.

الحديدة مدينة عالمية،أو هكذا كانت، تتقاسم مع المخاء واللحية، جارتيها في البحر الأحمر، ومع عدن والمكلا في خليج عدن، سمات مدن الموانئ التي طالما كانت فضاءً جغرافياً يتعايش فيه البشر من كل الأجناس والأديان، وجميعهم منشغل بشأن من شئون التجارة.

ملامح الوجوه في هذه المدينة تشير إلى ماض متميز من تاريخها كمدينة موانئ، عندما كانت أحد المقاصد الهامة لجاليات متنوعة من التجار القادمين من جنوب آسيا ومن مختلف الموانئ الناشطة في مجال التجارة.

لأهميتها التجارية، حرصت الدول الغربية ومعها الشركات الكبرى التي حملت اسم شركات الهند الشرقية( البرتعالية، الإنجليزية، والهولندية) على إيفاد ممثليات قنصلية وتجارية للإقامة في هذه المدينة بقصد رعاية المصالح الإنسانية والتجارية للجاليات التابعة لها.

وفي فترة النفوذ العثماني الطويل على المدينة، مثلت الحديدة أحد الثغور البحرية الهامة التي كانت الدولة العثمانية تنفذ من خلالها مهمة الدفاع عن الديار المقدسة، ومن ثم الدفاع عن مصالح الإمبراطورية.

ومن الدلائل المتبقية على ذلك النفوذ، قلعة الحديدة التي تطل على البحر كحارس عتيد للمدينة القديمة، لطالما منحت سكانها إحساساً استثنائيا بالأهمية، من حيث كونها ميناء تجارياً وسوقاً تتبادل من خلاله الجاليات من بقاع شتى المصالح التجارية.

والحديدة كانت محطة هامة على طريق الحج، وكان بعض الحجاج، عندما يفرغ من أداء الفريضة، يقرر البقاء في الحديدة لممارسة التجارة، في ظل الفرص المتاحة، وهذا ما يفسر هذا التنوع المتميز في وجوه سكان المدينة حتى اليوم.

والحديدة في زمننا تعيش قصة مغايرة، فعلى الرغم من أنها تحتضن أهم ميناء تجاري في اليمن من حيث حجم المناولات التجارية فيه، بالنظر إلى أنه يخدم الكتلة السكانية الأكبر في وسط وغرب البلاد، ورغم أنها تتمتع بملامح المدينة العصرية، إلاَّ أنها تفتقد باستمرار إلى تلك الروح التي تمتعت بها لقرون من العصر الحديث.

فالمدينة اليوم تفتقد إلى روح السوق النشطة، حيث تتعدد الأوجه والزوار ويتزاحم أصحاب المصالح التجارية، وأصبح حضور العناصر الوافدة على عدد محدود من ملاحي السفن التجارية الذين تضطرهم الظروف إلى البقاء في فنادق المدينة، المتواضعة التصنيف.

ولم تعد تعتمد في حياتها إلاً على نشاط عدد من المصانع التحويلية، في حين تحول التدفق التجاري الكبير عبر الميناء، إلى عابر سبيل، لا أثر مباشر له على إيقاع الحياة في المدينة، وعلى ازدهارها، ولم يعد شكل نقطة جذب وفرص حياة لليمنيين أو لغيرهم، لكأنها باتت ثغراً يتنكر له ميناؤه.





ومع كل ذلك فإن الحديدة، لم تفقد ميزتها كحضن دافئ، كان وما زال يغمر زائره بالحنان ويشعره بالألفة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق