
ياسين التميمي:
حينما أتحدث عن الحيوانات السلطوية، فإنني أتحدث عن
البشر، وحتى لا يفهم كلامي بأنه إهانة لكائن كرمه الله، فإنني أوضح بأن هذه
التسمية علمية على ما يبدو، حيث يصف العلماء الإنسان بأنه :" حيوان ناطق"،
أي كائن حي ناطق.. على أن من البشر من يصر على الذهاب إلى ما هو أبعد من هذا
التوصيف العلمي، ليؤكد أنه بالفعل حيوان، له كل خصائص وغرائز الحيوانات غير
الناطقة.

اليوم وبينما أنا اشتري بعض الصحف من إحدى المكتبات،
علقتُ في كلامٍ جانبيٍ مع أحدهم، وكان حينها يقتني الصحف المصرية فقط، وإثر إطلاقه
زفرة حارة، قلت له، لا شيئ يعكر المزاج يا أخي أكثر من الصحف المصرية هذه الأيام..
أجابني بحماس: لا هذه أفضل الصحف. قلت له لكن مصر هذه الأيام تعاني نكوصاً لا مثيل
له في تاريخها، الإنسان يُقْتَلُ بلا رحمة.. فرد علي: أنت يبدو من الإخوان المسلمين
قلت له: لست من الإخوان المسلمين، ولا يعجبني الإخوان المسلمين، لكن القتل هذا شيئ
مرفوض، الدكتاتورية مرفوضة، الانقلاب على الديمقراطية لا يجوز.
فقال يقتلوهم عن
بكرة أبيهم، ويبولون عليهم أيضاً.. ثم بادر بالسؤال: ماذا تفعل القاعدة؟ قلت له
القاعدة تنظيم إرهابي، ولا شأن له بالموضوع. فرد: لااااااااء، القاعدة هم
الإخوان.. فقلت له لا يأخذك الحماس بعيداً، قتل البشر لا يجوز، سحل الناس بالآلاف
لا يجوز، ولكنه كان يتحدث عن القتل ضد كل من له صلة بالإخوان المسلمين برضى كامل،
لقد عبر بوضوح عما يمكن تسميته بالقمع المستلذ والذي هو من صفات العبيد وليس من
سمات الأحرار..
في هذه الأثناء جاء آخرون يبدو أنهم من معارفه، وتداخل
البعض منهم، لكنهم كانوا أقل جرأة في التعبير عن التأييد للقتل، أحدهم علّق:
الناصريون هم أحسن ناس وبس. هذا من حقه إنه رأيٌ سياسيٌ نظيفٌ، رغم أنه يشف عن
حالة من عدم القبول بالآخر..
ومما أمتلكه من خبرة متواضعة في معرفة الناس، يتضح أن
هؤلاء، ينتمون إلى تنظيمات يسارية وقومية، وهذا شيئ طبيعي، لكن بعضهم كهذا المتحمس
للقتل، الذي ربما مر بمرحلة تحول، بحيث أصبح تحت وطأة القمع، جزءً من نظام كان
يعارضه، وتماهى معه، وتحققت له بعض المصالح، فيما الآخرون، ما يزالون على ما يبدو،
ضحية عقود من التعبئة الحزبية المتبادلة والمشحونة بالكراهية، مع التنظيمات
الإسلامية، وقد خسروا كل شيئ: السلطة والجاه، على يد الأنظمة الدكتاتورية القمعية،
لكنهم بقوا محتفظين بالمنسوب نفسه من كراهية الإسلاميين..
هذا المخلوق المتحمس للقتل والقتل المفرط المجرد من كل
إنسانية، الذي صادفته اليوم، يعتقد أن
مصالحه لا يمكن أن تتحقق إلا بقتل نصف أبناء وطنه، هذا المخلوق لا يمكن وصفه بأنه حيوان سلطوي فقط، بل
إنه نوع سيئ من الحيوانات الآكلة للحوم
البشر، وهي نادرة بالمناسبة، ولا يوجد في الطبيعة حيوان يخلق بغريزة أصيلة تنزع
إلى افتراس الإنسان، إلا إذا حدثت مصادفة، لكن هذا المخلوق سيئ بكل ما تعني
الكلمة.
إن الاستغراق في تبادل الكراهية بين البشر، بما هم
حيوانات سياسية، تفقد بلداننا المتخلفة هذه، فرصةَ إنجاز التحول الديمقراطي، الذي لن يتحقق
إلا عبر الشراكة والقبول بالآخر، وبحيث تتحول المعارك إلى مبارزة بالبرامج
والإنجازات لا بالسيوف والدبابات، بالتنافس على توفير فرص الحياة للأولاد، لا
باكتناز الإحن وتبادل الأحقاد..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق