الخميس، 8 مايو 2014

هل يتوجب الوقوف أمام الحجج الركيكة لمعارضي النظام الاتحادي في اليمن؟

الجمهورية: بقلم/ ياسين التميمي نشر منذ: شهر و 12 يوماًالخميس 27 مارس - آذار 2014 12:04 ص


لا يزال هناك من يعتقد أن اعتماد الصيغة الاتحادية كشكل للدولة اليمنية الجديدة، كان خطأً، على الرغم من ضعف الحجج التي يسوقها معارضو الأقلمة أو النظام الاتحادي، والمشدودون لنموذج الدولة المركزية، باعتبارها الصيغة المثلى للإبقاء على اليمن موحداً.
يفترض هؤلاء أن الصيغة الاتحادية ستؤدي إلى تجزيء اليمن، وستفرز حالات غير مقبولة من صيغ الحكم المحلية، التي من شأنها أن تسمح بإعادة إنتاج أشكال من الهيمنة التقليدية للمشائخ، والزعماء الدينيين والمليشياويين.. ويفترض هؤلاء أن وجود مجالس تشريعية في الأقاليم، ستؤدي إلى فرض تشريعات تعمق الهويات الجهوية المناطقية، وتفرض وقائع جديدة بحيث يصعب على مركز الدولة السيطرة عليها.. ونسي هؤلاء أن الدستور الاتحادي إلى جانب المحكمة الاتحادية العليا، فضلاً عن المؤسسات الدستورية الاتحادية، ستمثل سقفاً لا يمكن تجاوزه، وسيتم التأكد باستمرار من دستورية القوانين التي تصدرها المجالس التشريعية في الأقاليم..
هؤلاء أيضاً يفترضون أن الدولة ليس لها إلا هذه الموارد المحدودة من النفط، وأن الاقتصاد الريعي كان وسيبقى اقتصاداً مهيمناً وهذا يعني أن الدولة ستواجه صعوبة في تأمين المصاريف التشغيلية للأقاليم، لأن عائدات هذه الموارد ستذهب لأقاليم معدودة..
ليس هناك ما يدعو إلى القلق بشأن إدارة واستغلال الموارد الطبيعية، لأن التباين في حجم الموارد، لا يؤدي إلى تركزها واحتكارها أو حتى إلى الانتقاص من الحق السيادي للمركز، ما دام هناك آلية تضمن حضور المركز وإشرافه على الاتفاقيات التي تبرم لاستغلال هذه الموارد مع الشركات الخارجية، وتحفظ للمركز أيضاً نسبة من العائدات، ومن العائدات الضريبية للنشاط الاقتصادي في الأقاليم.
 وعلى المدى المتوسط والبعيد، سيسهم هذا التباين في خلق جوٍ من المنافسة بين الأقاليم على استغلال المتاح من الموارد والفرص الاقتصادية لديها، كما سيؤدي إلى إحداث حراك اجتماعي من مناطق الفائض السكاني إلى مناطق الفراغ السكاني والوفرة الاقتصادية، وهذا سيسهم في تذويب التباينات الاجتماعية.
وأتوقع أن تُطلق تجربة النظام الاتحادي في اليمن الطاقة الكامنة لليمنيين ومخيلتهم كذلك لتحقيق الكثير على مستوى الأقاليم والدولة اليمنية الاتحادية، ولدي يقين أيضاً بأن النشاط المتنوع للأقاليم سيجعل من كل إقليم قيمة مضافة للدولة الاتحادية من الناحية الاقتصادية والتنموية، ثم إن الموارد البشرية هي من يجب أن نُراهن عليها وليس الموارد النفطية والغازية المحدودة، التي تتوزع على نحو ثلاثة أقاليم فقط..
كما أن اعتماد الدولة الاتحادية معايير الحكم الرشيد من شأنه أن يوفر مليارات الريالات التي تهدر تحت وطأة الممارسات الفاسدة في دوائر الدولة المختلفة، ولنا في تركيا أوضح مثل، كيف أن إنهاء الفساد وتطبيق معايير الحكم الرشيد، قد حول تركيا إلى عملاق اقتصادي، سجل العام الماضي أكثر من (120) مليار دولار فائض نقدي، بعد أن كانت تعيش على مساعدات المانحين، وعلى القروض التعسفية لصندوق النقد الدولي..
المناوئون للنظام الاتحادي، يذهبون إلى أبعد من ذلك ويعتبرونه مشروعاً مفروضاً من الخارج أو من الأجانب، ولهذه المقولات تأثيرها على وعي اليمنيين، بل أنها تثير حساسية شديدة لديهم..
بالتأكيد هذه ادعاءات ومبالغات لا أساس لها، لأن النظام الاتحادي، سوف يُصاغ كتجربة يمنية خالصة، صحيح أنها تستلتهم تجارب أخرى، لكن من الثابت أن النظم الفيدرالية أو الاتحادية الـ28 في العالم، جميعها تشكل تجارب ونماذج متميزة عن بعضها، مما يستوجب الثقة بمستقبل النظام الاتحادي في اليمن، الذي يتفق تماماً مع حاجة البلاد لتجاوز حقبة من الصراع السياسي والأزمات متعددة الأبعاد، كادت أن تعصف بكيان الدولة، وتأتي، ليس فقط على وحدته الترابية والسياسية، ولكن الاجتماعية أيضاً.
والواقع أن المجتمع الدولي، يوفر لليمن غطاءً من الدعم السياسي والاقتصادي والأمني، وقد تعزز أخيراً بصدور قرار مجلس الأمن رقم (140) بشأن اليمن، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مما يبدد المخاوف التي يتذرع بها مناوئو النظام الاتحادي، حيث يذهبون إلى أنه ليس بوسع مركز ضعيف تحقيق الانتقال إلى النظام الاتحادي، في ظل الفوضى الأمنية التي تسود البلاد.. كما أنه لم يعد بالإمكان إعادة النظر في النظام الاتحادي بأي صيغة كانت بما في ذلك صيغة الاستفتاء على الدستور.
وهنا يتوجب إدراك أن مناهضة بعض القوى السياسية المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، لوثيقة الحل العادل للقضية الجنوبية، التي أسست للنظام الاتحادي في اليمن، لم تكن سوى حلقة من حلقات التعطيل ووسيلة حاول المعطلون استخدامها إلى الحد الأقصى، لاعتقادهم أن إجهاض الوثيقة هو الطريق الأقصر لتعطيل الحوار الوطني الشامل.
مبررات النظام الاتحادي:
لقد جاء إقرار الصيغة الاتحادية، مقترناً وجوباً بالحل العادل للقضية الجنوبية، التي كانت محور الاهتمام الأبرز لمؤتمر الحوار الوطني، وشكل ثمناً سياسياً مقبولاً، للإبقاء على وحدة اليمن الترابية والاجتماعية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن شكل الدولة الجديدة، يأتي في إطار عملية إصلاح سياسي شاملة، أنجزها اليمنيون على قاعدة التوافق من خلال مؤتمر الحوار الوطني الشامل..
وفضلاً عن ذلك فإن التحول من صيغة الدولة البسيطة إلى الاتحادية، قد فرضه أيضاً فشل الصيغة المركزية للحكم على مدى أكثر من خمسين عاماً، وهذا الفشل لم يكن سياسياً فقط، بل كان أيضاً تنموياً واجتماعياً، إذ لم يحدث أن عززت هذه الصيغة من اللُّحمة الوطنية بقدر ما نالت منها وساهمت في تآكلها..
وللانتقال إلى النظام الاتحادي بالنسبة لليمن، دوافعه الموضوعية، التي تتمثل في التباين القائم بين التجارب السياسية التي عاشها اليمنان: الشمال في عهد الإمامة المتوكلية، والجنوب، في ظل السلطنات والمشيخات ، ثم تجربة الاستعمار والحماية البريطانية.
والتباين لا يقتصر على التجارب السياسية فقط، بل أنه يشمل كذلك، تبايناً لا يمكن تجاهله في البيئة الثقافية، والمزاج الاجتماعي من منطقة إلى أخرى..
وهناك مبررات موضوعية أخرى تتمثل في أن تركز السلطة في العاصمة وفي يد فرد واحد، خلال الفترات الماضية، مع ما اقترن به من فشل شبه شامل في مهمة الدولة المركزية، قد مثل دافعاً جوهرياً، لإقرار مبدأ نقل السلطة أو توزيعها، ولا أشك لحظة في أن ذلك سيسهم بقوة في تحقيق تطور كبير في الوعي السياسي لدى مواطني جمهورية اليمن الاتحادية، وسيدفع باتجاه تعميق مشاعر الانتماء لليمن، الأمر الذي سيساعد في إعادة التماسك واللحمة الاجتماعية بين أبناء اليمن.
الذين ينتقدون التجربة الاتحادية في اليمن لكونها تعيد (فدرلة) دولة مركزية، يتجاهلون باستمرار أن هناك دول عاشت هذه التجربة وتحولت من دول مركزية إلى دول اتحادية، مثال على ذلك: بلجيكا وإثيوبيا، وجنوب إفريقيا، وجميعها مثلت صيغة حل سياسي لإشكاليات التعايش بين مكونات هذه الدول، أو في إطار التحول الديمقراطي والذي يتضمن أيضاً تأسيس صيغ جديدة للتعايش بين المكونات الجغرافية والاجتماعية في هذه الدول.
 ولا شك أن هناك دلالة جديرة بالتأمل، بأن تكون الولايات المتحدة الأمريكية، أول فيدرالية في العالم، بكل ما يعنيه الارتباط بين صيغة الفيدرالية الأمريكية وبين الدور الكوني لهذا البلد وتسلمه زمام قيادة العالم..هل كانت صيغة أخرى لشكل الدولة في أمريكا سوف تنجح في تهيئتها لهذا الدور؟ لا ندري..
لا توجد مركزية مطلقة تعيش بسلام، وأبرز مثال على ذلك مصر التي تمثل أقدم دولة في العالم، ولذلك معظم دول العالم التي تعتمد صيغة الدولة البسيطة تمارس نوعاً من اللامركزية الواسعة، وأبرز مثال على ذلك فرنسا وبريطانيا، بل أن بريطانيا بدأت بالاتجاه التدريجي نحو الفيدرالية..
----------------------
رابط المقال في الجمهورية:http://www.algomhoriah.net/articles.php?id=46023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق